الرحلة 414

كتبهاخولة ، في 13 مايو 2007 الساعة: 01:35 ص

الرحلة 414
 

هشام.. لا تنس أن تحضر لي تذكارا كما وعدتني… تذكر هشام هذه الكلمات وهو يلج إلى الأسواق الحرة في المطار، ربان الرحلة 414… شاب في ربيعه الثامن بعد العشرين، تخرج من أحد معاهد الطيران الأجنبية منذ خمس سنوات بتفوق ملحوظ… ورغم خبرته القليلة إلا أنه كان يعد فخرا لشركة الطيران التي يعمل فيها الآن… نشاطه وحيويته وحبه للطائرات جعله يتعلم الكثير منها وعنها… فهو ليس بارعا في قيادتها فحسب، بل إنه مولع بمكانيكها وهندستها… وهو يستعد لرحلة روتينية يعود بها إلى بلده… وإلى زوجته، اشتاق إليها وإلى ولي عهده المنتظر… غاص وسط أحد المحلات يقلب بضاعته باحثا عن شيء ثمين، ليس أثمن من هذه الصور التي ترتسم بذاكرته الآن،وتجعل قلبه يرقص فرحا بين خافقيه، ابتسامة زوجته الخجلى وهي تزف إليه خبر حملها… قال لها مداعبا: فأما إن كان ولدا فسأسميه صقرا وأما إن كانت فتاة فسأسميها بوينغ… وانفجرا ضاحكين…
الجو صحو، والسماء صافية، وتقارير الأرصاد ممتازة … كل شيء يعد برحلة هادئة على متن هذه الطائرة التي يستقلها الركاب الأربعمائة… بدأ عمل الطاقم النشيط، المضيفات تساعدن المسافرين وتعطين تعاليم وإرشادات الانطلاق، وهشام ومحمد يتفقدان معداتهما في حركات روتينية… كل شيء على ما يرام… على بركة الله إذن.
انطلاقة موفقة صارت بعدها الطائرة تمخر الأجواء، تقتحم أسرار الغيوم… تنساب يمينا وشمالا كصقر تحمله أكف الريح… ابتسامة الرضا لا تفارق وجه هشام، إحساس لا يوصف يخالجه وهو يرى نفسه يقود هذه الآلة العملاقة…أين أنت يا ابن فرناس… ليتك تحيى لترى ماذا أيقظت نفوس بني البشر… ها أنا أناطح الجوزاء، أجري بين منازل الريح، وأنظر من فوق رؤوس الطير…
وهكذا تمر الساعات عليه، يفكر يتأمل يذكر الله ويتحدث إلى مساعده محمد … محمد الذي يكبره بسنوات عدة…
هاقد بدت مشارف البيضاء تفشي عن اقتراب موعد انتهاء الرحلة، وموعد بدء أصعب لحظات العمل… استلم هشام مقوده، عدل من جلسته، تفقد كل المؤشرات أمامه… ثم هاهي الطائرة تستعد لهبوط آخر على مدرج مطار محمد الخامس… تلقى هشام آخر إحداثياته من برج القيادة… أعاد توجيه طائرته ثم ضغط على زر خروج عجلات الهبوط… وهنا توقف الوقت… توقفت معه دقات قلبه… انحبست أنفاسه… مصباح الزر تلون بالأحمر… عجلات الهبوط لا تخرج من مكانها… محمد بجانبه فتح فمه في شرود… كارثة تلوح في الأجواء، كارثة لا قبل لهم بها.
لازال هشام يصارع الهواجس، استنجد بآخر ذرات الشجاعة في داخله، تذكر ندى وابنه الموعود، الهدايا المتناثرة… هل يستسلم للموت يأخذ منه كل ما كد من أجله…ليالي السهر الطويلة والعمل المتواصل، كؤوس القهوة المرة التي تجرعها طوال سنين الغربة… ذكريات الطفولة بحلوها ومرها، كل الحكايات التي حفظها ليحكيها يوما لأبنائه… هل يضيع كل هذا الآن؟؟
لم يحس إلا و محمد يرجه رجا يحاول إعادته إلى رشده… تنبه هشام إلى الطائرة، لابد من وجود حل ما… اتصل ببرج المراقبة، أخلوا له المدرج، أعاد الطائرة إلى الأجواء… اقل ما يمكن فعله، نقص كمية الكيروزين في الخزان… حتى لا يسبب ارتطام الطائرة انفجارا يقضي على الجميع…
على الأرض، كانت سيارات الإسعاف وعربات الإطفاء تزحف حثيثا باتجاه المطار، وتظهر من السماء الفوضى التي بدأت تعم المكان، تكاد ترى المسؤولين يتقافزون من مكاتبهم، كل في ترقب شاق… حانت ساعة الصفر سريعا، تساءل مع نفسه لم لا تمر الساعات بهذه السرعة أثناء الرحلات، أم هو الموت يستعجل، إن كان آخر العمر موت فسواء قصيره والطويل… ذكر الله كثيرا، فاضت عينه بالدمع ولسانه يلهج بالدعاء، سينزل الطائرة من غير عجلات، كان هذا آخر الحلول المجنونة، بل آخر حبل يربط على أطرافه الأمل بالنجاة، لم يجرب هذا الأمر من قبل، وقد تكون هذه آخر مرة…
استقبل المدرج البعيد عن مباني المطار، هيأ الطائرة، هاهي تسرع باتجاه الأرض في حنق شديد كمهرة برية تحاول إلقاءه عن ظهرها، ووا أسفاه إذ لا لجام يكبح جماحها ويكبل صبوتها، مد يده باتجاه الزر في حركة لا إرادية، ضغط عليه في جنون … غير معقول، ماذا يحدث بحق السماء… قرص نفسه ليتأكد أنه لا يحلم، فرك عينه جيدا، ضحك وبكى، زخم من الأفراح يملأ قلبه حتى يكاد يخنقه، لقد فتحت أبواب العجلات وهاهي تخرج بأمان، وكأن شيئا لم يكن، وكأنها مزحة ثقيلة كشفت… تولد معها حياة جديدة لكل من على متنها بعد مخاض عسير، أعاد هشام سيطرته عليها، أتم آخر إجراءات الهبوط و حطت بعدها الطائرة نافثة دخانها في الأجواءكمن يتنفس الصعداء…واستقرت بنهاية المدرج وسط تصفيقات الناس ممن على متن الطائرة وممن في المطار…

 وخر هشام ساجدا… كما لم يفعل مرة في حياته… طال سجوده، ذهب إليه محمد يخرجه من خلوته مهنئا…لكنه لم يرد عليه… كان قد أسلم الروح إلى بارئها…

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “الرحلة 414”

  1. انها قصة رائعة فعلا ومؤثرة وفيها تشويق , حرقت الزمن للخروج بنهاية للقصة قبل

    ان اقرأ النهاية لكنني فشلت او لاكن صريحا لم اكن اريد هكذا نهاية …لكنها نهاية مرضية بل سعيدة بمعنى من المعاني

    وفقك الله أخت خولة والى الامام باذن الله

    واتشرف بدعوتك لزيارة مدونتي

  2. بارك الله فيك أخي الكريم ونتشرف بالزيارة طبعا

  3. بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    قصة رائعة وجميلة أختنا خولة

    جزاكي الله كل الخير

  4. لا املك الا ان اقول
    حياك الله تعالى و فيك بارك

    تبارك الله
    سأرددها ثانية
    هاذ الشي كثير على
    les taupins

    لكن من قرأ المذكرات 5
    يعرف السبب

    مجرد مزحة

    بوركت اديبتنا الصغيرة



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر