غزة، والفيسبوك … وأشياء أخرى

كتبهاخولة ، في 13 أبريل 2009 الساعة: 09:19 ص

 

غزة، والفيسبوك … وأشياء أخرى

 

 

 

 

 

لست ممن تبنى الفكرة لا إبان ظهورها ولا حين قرب أفولها، ومع أني أحرص على متابعة ما تجود به قرائح صانعي التقنية الإنترنتية، نسبة إلى الإنترنت، لم يستهوني التسجيل في الموقع ولا مشاركة تفاصيل حياتي واهتماماتي مع "الأصدقاء" و"الصديقات"، ورغم إلحاح الكثيرين، ورغم علمي بأني أستطيع أن أتصيد فيه أخبار من يهمني أمرهم، وأنني أستطيع تكوين المجموعات التي تدافع عن أفكاري وقناعاتي في مجتمع يعج بالرأي والرأي الآخر واللارأي، بل حتى أنها كانت تأتيني أخبار الداعية الفلاني والمنشد العلاني ومقدم البرامج الشهير الذين سجلوا في الموقع، لكن قراري القاطع بالحفاظ على مسافة الأمان لم يتزحزح قيد أنملة.

مرت سنوات، طلبت معرف أحدهم لأستكشف عن قرب ما آلت الأمور، بحثت عن أسماء أناس أعرفهم وانقطع اتصالي بهم منذ سنين، وعن أشخاص آخرين شاركوني السكن، أو العمل، وعن وعن وعن..

وبالفعل، وجدتهم وصورهم، وأصحابهم وعوائلهم واهتماماتهم واختياراتهم في الحياة، وتوجهاتهم السياسية وأذواقهم الموسيقية وأكلاتهم المفضلة والبرامج التلفزيونية التي لا يفوتونها، أبطالهم، قدواتهم، مزاجهم..

علمت عنهم بكبسة زر أكثر مما علمت عنهم على أرض الواقع!

لن أطيل عليكم بوصف دهشتي واستغرابي واستهجاني ومناقشة الحس والوعي الأمني لدى هؤلاء لأن القادم يبرر الكثير، فالشاهد عندنا، وكما يشهد على ذلك العنوان أعلاه، هو حين كنت أصادف صور : كلنا غزة، سعدت في أول الأمر، شبابنا لا يزال يتذكر غزة، ويرفعها شعاراً في الفيسبوك، ويعتز بنصرتها، لم تدم فرحتي طويلا، لأني في النهاية اكتشفت أن من يضع صورة غزة، هو نفسه من يفضل أغاني Pink، وينتمي إلى مجموعة معجَبي المطربة نانسي عجرم وإليسا، وأنه يعتقد أن توم كروز قدوة له، وأن مشروبه المفضل هو الكوكاكولا، ولديه اهتمام واسع بمجال السيارات، ولديه عدد لا بأس به من الصديقات "المشلحات"، وإن كانت فتاة فأصدقاؤها "الجنتل" دائما يمرون من هنا ليتركوا لها تعليقاً "وااو" على جدار مساحتها الشخصية.

اكتشفت أخيراً أن الظاهرة أوسع من أن أحدها بأمثلة، اكتشفت من خلال التعليقات سخف من كتبوا ومن يردون عليهم، حتى حين يتعلق الأمر بالأمور الأكثر جديةً، وأن جيلا كاملا هنا يجعل من إقامة الصداقات وتبادل الصور وترك التعليقات أهم الأمور التي يفعلها حين يدخل إلى مساحته في العالم السرمدي للفايسبوك.

أحب أن أستثني من يُستثى، لكنهم نذر يسير من سيل جارف، فإني أستغرب كيف يجتمع في قلب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستمتاع بأغاني مايكل جاكسن، أستغرب أن يظهر في السطر الأول كيف يحز في قلب شخص ما أن يُقتَّل أهله في غزة تقتيلا، وفي السطر الثاني يعدد مناقب توم كروز الحاقد على العرب، أستغرب أن تعتبر الشيخ أحمد ياسين من العمالقة الذين غيروا التاريخ، و تكتب عند إحدى الصديقات، رائعة أنت في الصورة، أستغرب من أن تدعي حب وطنك، وفي نفس الوقت، كل كلامك يدل على أنك شخص ممسوخ الهوية لا تربطك بوطنك سوي بطاقة تعريف وطنية..

الكلام كثير، لا أدري هل يسامحنا أهل غزة ومجاهدوها إن زارونا على الفايسبوك، وإن سامحونا، أين نحن من الله عز وجل الذي يقول في محكم التنزيل:

(مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) )الأحزاب: 4(.

ذاك بيان حقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يكون له قلبان مفتوحان أحدهما للتوحيد مثلاً والآخر للشرك، أحدهما للإخلاص والآخر للرياء، أحدهما للحقيقة والآخر للكذب. أحدهما للحق والآخر للباطل. الأبيض أبيض، والأسود أسود. فعندما يختار الإنسان، يكون خياره واحداً، ومن يتوه بين الطرق، لا يستطيع أن يتخلص من التشويش والضياع في عالم الفكر ولن يصل إلى أي مكان.

لا نستطيع أن ننتصر طالما لم نحدد سبيلنا وخياراتنا، لا نستطيع أن نكون نحن نحن، سنظل مجرد معرفات على الفيس بوك، تهتف حسب المواسم وحسب الرائج، وتغرق في بُعدها عن الحق، وتَحيك من وعي أو بدونه، أثواب الهزيمة لهذه الأمة. نحن لسنا تلك الدمى التي يعبثون بها كما شاؤوا، آن الأوان أن نفتح هذه العيون التي سكنت المحاجر وأغلقت عليها الجفون، آن الأوان لنكسر القيد، وننصر غزة.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “غزة، والفيسبوك … وأشياء أخرى”

  1. أختي الفاضلة خولة :-
    من غزة أكتب لك … أعرف مدي أنفعالك مما . قد تجديه علي الفيس بوك أو غيره من مواقع الأنترنت .. واقدر ذلك .. ولكن هل انتي مقتنعة بكل .زما يردده من يكتب عن نفسه أو عن هدفه عبر هذه الصفحات .. لا شك أننا من ناحية أمنية قمة الغباء… فلم تنتهي قصة غباءنا مع ثورة الحسين ضد الأتراك .. ولم تنتهي مع لورانس العرب الذى خدعهم بلباسه العربي ولسانه الفصيح بما جادت به قريحتهم .
    قد ابدو مبالغا أن قلت أن معظم من لديهم أنتماء للوطن والحضارة .. ليس لهم أتصال بالالم الرقمي .. ومعظم من لهم علاقة بهذا العالم .. هم قطعان جوعى ..تسعي خلف المتعة والتسلية السطحية الرخيصة .. فلا ضير أن وجدتي هذا الهجين الغريب الذي لا يمكن تركيبة كميائيا ولا حتى فكريا عبر صفحات الفيس بوك .. فكل يغني علي ليلاه حتي لو بإسلوب منحط رخيص
    وشكرا لك مرة أخري وأن شاء الله أكون متابعا لما تدوني

  2. ما رايته على الفايس بوك هو مؤشر من مؤشرات كثيرة تدل للأسف على نجاح خطط من أراد أو يريد الشر بهذا الدين، تحكموا في دواليب الإعلام و برمجوا تفكير الشباب ليحولوه جيل بدون هوية بدون عقيدة..يركض وراء الشهوات…
    لكن الحمد لله مازال هناك خير في هذه الأمة..ولازالت المسلمات تلد رجالاً يحبون الدين ولا تلومهم فيه لومة لائم

  3. هدا رائع asmae boukhayma

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شكرا لك الأخت خولة على هذه التنبيهات الهامة … أنا لم أدخل موقع الفيسبوك إلى حد الآن … كنت دائما ضد ذلك لدواعي كثيرة، لكنني مؤخرا راودني فكرة الدخول لإيجاد فرصة التأثير وتنبيه وتذكير مئات ممن عرفناهم في السنوات السابقة، وفرقت بيننا الأيام، ناهيك عن التأثير العام على مجموع رواد الفيسبوك الذين صاروا يشكلون الغالبية الساحقة لرواد الأنترنت … غير أني بعد قراءتي مقالك … سأتمهل أكثر قبل أن أقدم على هذه الخطوة، خصوصا وأنا تتردد في خاطري كلمات الأستاذ الكبير المهدي المنجرة التي قالها عندما رفض منصب رئيس البنك الدولي قائلا إن شخصا واحدا لا يستطيع أن يغير نظاما قائما حتى لو كان رأسه إذا كان هذا النظام مهيكلا لأهداف خبيثة … أليس الفيسبوك مهيكلا بطريقة ليكون جل وقت الإنسان في التفاهات، وأي خير كيف ما كثر يمكن للإنسان أن يضغط عليه Rejoindre le groupe دون أن يعي منه أي شيء، وأي شخص مهما ألّف وأبدع، لن يجلب قراء من أصدقائه كما تجلبه صور تافهة … لهذا أترك السؤال مفتوحا : ما جدوى المشاركة بقطرة خير في بحر من التفاهات ؟؟؟

  5. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،شكرا أختي على هذا المقال (أحب أسلوبك في الكتابة)
    انا كذالك أؤيد وبشدة فكرتك غير أنه ولأسف الشديد الأغلبية الساحقة في صف الفسبوك،فقد صدمت كذلك حين وجدت أكثر من نصف الناس الذين أعرفهم وقد وضعوا صورهم وينتظرون أن تأتيهم أجمل التعليقات،وهذا دليل واضح على انشغالهم بالتفاهات.
    لاحظت كذلك أن للفسبوك خطة خطيرة فقد أتاحوا لكل من يحب أن تسلط عليه الاضواء فرصة إظهار كل مزاياه من خلال تلك الإختبارات السخيفة،و وضع صور أخذ ها عندما كان في مكان جميل ليتبابها بها امام أقرانه و و… غير ذلك من التفاهات
    و الهدف كله وراء هذه المصيبة هو إشغال شبابنا عن قضايهم أكثر مما هم منشغلين.
    .. وأختم قولي بالدعاء لي و لكل شباب المسلمين بالهداية والثبات



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر